جواباً عن استفتاء طرح في منتدى "فضاءات"على الأعضاء في شهر فبراير 2006 :
* ما الثقافة؟
- من جهتي لا أتبنى المعنى السائد لكلمة " الثقافة " و المثقف ..و أميل إلى ردها إلى أصلها اللغوي ، و لا أطلق هذه الكلمة إلا على الشخص " المهذب " ..سواء أكان تهذيبه من تجاربه في الحياة ، أم من تجاربه في القراءة ، أم من كليهما ..
و أقصد بالمهذب الشخص الحضاري الذي يفصل بحدة بين شؤونه و شؤون الغير، و يتعامل باحترام معهم، و مع أفكارهم، فإذا تداخل معهم حول قضية ، دفعه تأمله في الحياة و خبرته إلى أن يكون أقرب ما يكون إلى الحق ..
مثلاً :
- المثقف لا يدفعه خلاف سابق حول قضية مع شخص آخر إلى أن لا ينسب إليه الحق إن جاء على لسانه في قضية أخرى ، و هو موقف حضاري ، إذا أسندته إلى العقلانية استند ، و إذا أسندته إلى الدين استند ،كالآية الكريمة ( لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ..)
- المثقف يعرف أن ثمة فرقاً جوهرياً بين ما هو أدنى و ما هو أعلى ، و أن الأعلى يتبناه الإنسان ..فلا يستسلم إلى الشائع و الدارج بحجة أن هذه ( هي الحياة ) و أنه ( لا يريد أن يتعالى ) فالتعالي بين، و العلو بين، و كل الباقي نفاق
و هو أمر تؤيده الفيزيولوجيا المقارنة : للبشر قشرة دماغ نامية متطورة قادرة على المحاكمة المنطقية ، و الاستنتاج و الاستقراء ، و …….التجريد ، و لها عمليات دماغية عليا تنظم " المنعكسات " الغريزية عند البشر ، أما الغرائز فيتشاركها مع الحيوانات الأخرى ،من النخاع الشوكي حتى لب المخ ..و ليس صدفة أن متابع السلم الحيواني يجد أن الفروق بين الأدنى و الأعلى هو أكثر ما يكون بروزاً في الجهاز العصبي للكائن ( بالمناسبة أنا لا أتبنى النشوء و الارتقاء كما ورد بصيغتيه لكني أعتبر مع ذلك أن التعدد النوعي متدرج من الناحية التشريحية و الفيسيولوجية)
و قشرة دماغه هذه " تهذبه " و من لم يرد استعمالها فهو حر ..
- المثقف عادل في حكمه ، يجهد ليكون فاعلاً ، فإن اضطر أن يكون منفعلاً فليكن متزناً في ردود أفعاله .
- المثقف - قبل أن يتبنى تهذيب المجتمع له ، و هو موضوع تحدثت عنه في مكان آخر - يفكر في معنى هذا التهذيب ، فإن وافقه تبناه ، و لا يهمه بعد ذلك أكان مصدر هذا من دين أو مجتمع ، كما قال الإمام علي : لا تعرف الحق بالرجال ، بل اعرف الحق تعرف أهله ..
- المثقف إذن نتيجة " أخلاقية " لتجاربه كلها أيا كان مصدر هذه التجارب ..و تكون الثقافة إذا هي النتيجة السلوكية و الفكرية لهذه التجارب.
و هذه هي رؤيتي
أما أن نقرأ كتبا أكثر ، فنحن - هنا - قراء ، أما أن يكتب المر شعرا أو مقالة فلعله كاتب و ليس بالضرورة مثقفا..لكن الأثر الذي يحدثه قد يكون أثراً مثقفاً - بكسر القاف - للآخرين ، حتى لو لم يكن هو مثقفاً ..
* ما أبرز سلوكيات المثقف العربي؟ وما أبرز سلوكيات المثقفة العربية؟.
لا أعرف كل سلوكيات " المثقف العربي " حتى أحكم عليها .
* لماذا ينادي المثقف / المثقفة لدينا برؤى تنويرية بينما يمارس على أرض الواقع العكس تماما؟.
إذا فعل أحد ذلك فلأنه - ببساطة - ليس مثقفاً أساساً - حسب تعريفي السابق -
* لماذا يفزع المثقف / المثقفة إلى الإنسحاب كحل سريع عند طرح أي فكرة يرى فيها مساسا شخصيا بذاته؟
* هل المثقف / المثقفة هش إلى درجة الإنسحاب ؟ أو وضع البعض في قائمة التجاهل لمجرد أنه اختلف معه في الطرح؟.
أن ينسحب المرء إذا رأى النقاش يتناوله ، أو أنه لن يؤدي إلى نتيجة ، فذلك حق يحتفظ به ، و لا ملامة عليه ، و ربما انسحب أحياناً لضعف حجته ، أو لأنه ملول و لا يحب الجدل ..إلخ
حتى قائمة التجاهل لها علاقة بالحرية ، و إن كنت لا أؤيدها .
* ما الحد الفاصل بين التناول الشخصي وبين التناول الموضوعي؟.
هذا الحد يوضحه السياق ، فما دمت أتناول موضوعاً ، فما الداعي إلى تناول صاحبه معه ، بأكثر من " قال فلان " ، و لكن إذا رد الشخص الثاني ظاناً أنه و موضوعه لا يتجزآن فتلك مشكلته ، و عندئذ سيتناوله الآخرون كما أظهر نفسه : دون تجزئ ..
وأخيرا:
* كيف تنظرون لطبيعة العلاقة بين المثقف العربي والمثقفة العربية؟ وهل وصلت في بعض مجتمعاتنا العربية إلى المستوى المأمول؟.
ما دامت كلمة " مثقف " تكاد تعني من قرأ كثيراً أو كتب كثيرا فسيظل هناك خلط ، و سيظل بعض المثقفين " يتناولون " بعض المثقفات ( و بالعكس ) تناول الذكر للأنثى في حالاتها الاجتماعية السائدة ، كما لو أن شيئاً لم يحدث ، فالقراءة - حسب رؤيتي السابقة - ليست هي سمة المثقف الأساسية ، بل التهذيب ،سواء أكان التعامل مع رجل أو امرأة ..
و طبعاً حديثي لن يكون سائغاً لكثيرين ، فبعض " المثقفين " يرون الحديث في الجانب الأخلاقي من الحياة ، رجوعاً إلى عصور مضت ..
مع أنني أحلف أنني لست متخلفاً … نسبياً ..
ثم كان هذا ردي على أحد الردود:
إن إشكالية المثقف العربي أن مبادئه متأرجحة،فعدم أخلاصه لمبادئه وأفكاره جعلته عبدا مطيعا،.
أذكر أني لا أتبنى مصطلح المثقف ، لكني سأستخدمه هنا لكوننا تواضعنا على دلالة معينة للكلمة ربما كانت - هي انه شخص مشارك في " الحديث عن الأفكار "
و من هنا أبدأ :
لا أتفق معك في تعميم ن
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ